الرئيسية / اخبار عاجلة / هل سأعُد يومًا لموطني!

هل سأعُد يومًا لموطني!

كتب: محمد متولي محمد

جلس ذلك الكهل أمامي في هذا المقهى الذي يضُم العديد من أبناء موطني ..

استدعيت مساعدي ليأتي ويضيف له ذاك المايك الذي يُظهر الصوت في كاميرة التصوير التي أمسكها بيديَّ.

قال وكانه بدأ يُعيد ذكرياته التي مرت من هنا يومًا : أتعلم يا بُني أنني هنا منذ مولدي لم أرى بلدي غير في التلفاز , أرى الخراب وهي تتدمر بعدما كانت حسناء في كامل بهاءها , كنت أراها تتزين عندما أزورها , ولم أفعل ذلك إلا مراتٍ عديدة تُعد على أصابع يدك الواحدة , أبي رحمة الله عليه كان يخشى عليّ المجئ وحدي , كما أنه يخشي أشياء كُثر , فأذكر قصة سفرة من والدتي التي كانت تسردها لنا من الحين للأخر وكانت تُحدثنا عن موطنا رغم إنها لا تنتمي له , تُخبرنا إن موطنا هو منارة العالم وإذا سقط سيسقط العالم العربي , هي الكيان التي كانت قُلوبنا تهتز عندما يقف بنا والدنا في طابور الصباح ونحن نسترسل في نشيد الصباح .

توقف ورأيت الدموع تتسرب من عينيه وهي مازال في عالم ذكرياته , نبضات قلبي بدأت ترتفع وأنا أسمع معاناة هذا الرجل ..

قال بخفوت ومُناهده وكأنه يخشى من شئ:

بلادى بلادى بلادى — لكِ حبى و فؤادى

مصر يا ام البلاد— انت غايتى والمراد

وعلى كل العباد — كم لنيلك من أيادى

بلادى بلادى بلادى — لك حبى وفؤادى 

توقف هذه المرة وفتح عينيه ليرى دموعي التي لم أدري كيف ومتى نزلت هكذا بلا سابق إنذار , هل لأني لا اُحب هذا النشيد بالأخص ام لأن قلبي انقبض عندما سمعته أم لصوت العجوز رهبة في حديثه أبكتني .

قال وعينيه يُغرقها اللون الأحمر من حسبةُ للدموع بعد بكاء طال: لما لم تُحب موطنك يا ولدي , لماذا لم تُعطيها كل ماتملك وتُضحي بحياتك لآجلها , ألا تستحق منك مُعافرة ومثابرة , لماذا غادرتها , أعلم إنك ستُخبرني لما كل هذا الحب لموطن لم أراه غير مرات قليلة وإن من المفترض قلبي غير مُشتاق فأنا في دولة الحرية والديموقراطية , ستُخبرني إنني أعيش حياةً رغدة ليس بها متاعب , بلاد ليس بها بطالة مثل بلادك بلاد ليس بها تحرشُات لفظية وجسدية ونفسية!

قلت والدماء تغلي وكدت أن انفجر بوجهه: من تتكلم عنها يستعبدون شبابها هناك , يقبضون على أفاضل ولادها , يُنمون البُغضاء والمجرمين ويجرحون البُسطاء والمُحترمين , يشكون في جميع الشباب المارة بالشوارع , يخشوننا وكأن همّنا بعثرة الوطن وإن هم من يُريدون الصلاح , أنا شاب خريج جامعة محترمة أمامك الان .

لماذا تتوقع إنني جئت هل لآجل الحرية أو ديموقراطية , أنا أدري بهذه البلاد تمام المعرفة , لقد جئت هاربًا من وطن يقبض عليّ لأنني أظهر الحقيقة وأسعى خلفها , وطن يتهمنا بتخريب البلاد لإخراج فننا , يقبض علينا لأننا كتبنا الحقيقة , يُريدون مننا أن نصبح بغبغناء نحفظ ونُردد بدون فهم او وعي .

هناك ترى خريج الجامعات يجلس على القهاوي بدون عمل ويُخبرك ” لا يبقى عمل للفقراء فالأعمال جميعها للأغنياء وأولادهم” معه كل الحق , فلو كان ليّ عملٌ محترم يرتقي بعقلي وبعملي وما اريد تقديمه كنت تشبثت بالوطن وحاولت الصلاح , لكن عندما أردت الصلاح الحقيقي أتهموني بالخراب.

قال وكأن الكيل فاض به: لماذا يا أمي حرمتيني بعد وفاة أبي من نزول موطني لأرعى أبناه , هل كانت وصية أبي كذلك , فبعدما أشاب الشعر وأوهن الجسد و مازال عقلي في عنفوان شبابه , لماذا اوصيتني عند مماتك لا أغادر هذه الدولة , لماذا أنا بالاخص فأنتم سمحتم لأشقائي الذهاب ..

هل أدعوه لكما بالرحمة أو الغضب الذي سيحل بكما لأنكما حرمتُماني بلادي التي كانت تصرُخ وتسغيث وأنا أراها وما بيدي شئ لفعله , أتعلم يا بُني يوميًا أجيئ لهذا المطعم الذي يجتمع فيه أهل وطنا ونتحدث مع بعض ويحكوا لي همومهم تارةً وتارةً أخرى يُحدثونني عن خبايا البلد وحواريها , لدرجة إنني أحفظ معالم وطني أكثر منهم , اعلم بالسبتية وسوق العصر والعتبة وروض الفرج , مناطق لا تخطُر على بال أحد إنني أعرفها أو حتى سمعت عنها, وقبل ذهابي من هنا أجلس ووجهي للشارع لألتهم من الناس قصصهم وادونها بدفتري وبجواري قهوتي , أتعلم إنني إلى الان لم أتزوج , أتعلم إنني أريد إنجاب ولد ليحفظ معالم موطنه ويتربى على حب الوطن ولكن هناك , في الوطن وليس في وطن تشعر كأنك غريب به , غريب مدى العمر الذي قضيته به , وقبل إغلاق الدفتر أكتب , هل سأعُد يومًا لموطني؟

عُد ياولدي فالوطن يحتاج لك , عُد وعمّر بلدك أفضل من تعمير بلاد تُريد السوء لموطنك , بلاد تُخطط للخراب , بلاد تضحك عندما ترى التفرقة التي تجرى يوميًا ..

قام وأزال المايك من على قميصه , رأيته يتكأ على عُكازه ويُغادر سريعًا وكأنه لا يُريد مواجهتي , رحل ومازالت جملته عالقة بذهني , أرددها مرارًا وتكرارًا , شعور يجتاحني بالحنين المُفاجئ ” هل فعًلا سيأتي اليوم الذي أعُد فيه لوطني الذي يصمد وهو بقلب الجحيم ”

هل حقًا ستعود لموطنك المُستغيث أيها القارئ العزيز ؟

Share on Facebook
Facebook
0Pin on Pinterest
Pinterest
0Share on Google+
Google+
0Tweet about this on Twitter
Twitter
Share on LinkedIn
Linkedin

يُسعدنا أن تشارك الموضوع مع أصدقائك !

عن محمد متولي

طالب بكلية الهندسة جامعة القاهرة، 22 عام، كاتب بموقع المبدأ ومن أحد شركاءه ومؤسسيه. [email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.