الرئيسية / اخبار عاجلة / محمد عبدالله يكتب :- ” أومـا كفـاك الدمـع بالضحكـاتِ !! “

محمد عبدالله يكتب :- ” أومـا كفـاك الدمـع بالضحكـاتِ !! “

 

دلفت من باب الغرفة فوجدته واقفاً أمامي مباشرةً ، شاحباً اللون واهناً البنية مخضلاً العينين ، افتقدته كثيراً فأنا لم ألتق به منذ مدة ، يبدو عليه أنه كان ينتظرني ، لم ينتظر حتي أقوم بتغيير ملابسي ، بل بدأ يتحدث بلكنته المرتجفة كعادته شعرت بأنه يريد أن يفرغ ما في صدره من هموم أثقلته ، هو اعتاد أن يخبرني بكل مايؤلمه فأنا صديق الطفولة غير أني كنت الشخص الوحيد الذي دائما ما ينصت إليه! – وبالفعـل أنصت إليـه – ، حدثني عن أصدقائه ، عائلته ، حبيبته ، نفسه – في الحقيقة كنت مستاءاً جدا من ذلك الأمر – ، جلسنا سوياً أبحر بذاكرته في محيط ماضيه المؤلم، يفكر في نوائب دهره نازلة تلو الأخري كالعقد المنفرط علي حين غفلة من صاحبه فما إن تسقط أولي خرزاته حتي يتبعها الأخريات ، وكذا المصائب لا تأتي فرادي؛ فتذكر يوم أن تزينت جُدُرُ البيت بمن فيها وما فيها تأهباً لمقدم أبيه العائد من غربة دامت لأعوامٍ ،ولكنه ما أخلف موعده بمَلكهِ فبينما الحافلة تسير بسرعة كقطار يابانيّ اصطدمت بعمود فولاذي فوهت ببطن نهر جانب الطريق فابتلعها النهر بكل من فيها ولم ينجُ أحد من بين أنياب المياهُ الجائعة ،هلك الجمع بما فيه ذلك الرجل العائد الي بيته،زوجه،ولده،إلي كل تلك الأشياء التي ماسافر إلا لأجلها.

 

أخبرني أنه لم ير أباه -حياً أو ميتاً- فوالده ترك البيت وزوجه تحمل طفلاً فوق يديها ، لم يدرك الطفل آنذاك أن والده ذاهباً بلا أوبة فلم يشبع منه ،لم يقّبل عينيه،لم يداعب مقلتيه،لم يشدد به أزره ويشركه في أمره ،لم يأخذ معه صورة تذكارية تسد جوع الشوق حين تصبو العين الي رؤيته وحالت الغربة بينهما سنيناً ولما آن الوقت لتحتضن الأرواح قبل الأجساد،ويسكن الطفل بين ذراعيّ أبيه،يقّبل قدمه،يتعطر بعرقه،يحتمي بقلعته؛ حالت المياة بينهما هي الأخري فلم يستطع الطفل – ذو الخمس سنوات حينئذ – العثور علي جثة أبيه بعدما أبتلعتها المياه ؛فلا طفلاً رأي،ولا أبا عاد ؛وكأنَّه قد ولد يتيماً ولكن مع وقف التنفيذ!.

 

ثم حدثني عن أمـه فبالرغم من مرور عامان علي ذكري رحيلُ خالد -والده -،لا زالت الجدران تأن والأسقف تدمع والوسادة تبكي شوقاً الي تلك العينين التي دائما ماكانت تروي عطشها بالدموع في الثلث الأخير من الليل؛ وفي صباح يوم لا يختلف عن سابقه يصحو علي صوت سعال أمه الملازمة للفراش مُذ عدة أيام بعدما أعياها المرض وغمس سهمه المسموم في جسدها ؛ ظل السرطان يصارع فاطمة -أمه- لعامين كاملين،هو يحاربها بسيف الموت والألم  وهي تدفع أذاه بدرع الصبر الذي ما كانت تملك إلاه ،لم تقوي علي مبارزته بالمال فأجر حياكة الثياب لم ليكن ليفي إلا بأحد الأمرين -الإنفاق علي صغيرها أو مداواة نفسها- فآثرت فلذة كبدها علي نفسها التي بين جنبيها،وها هي الآن  تلازم فراشها دون حراك كقعيدة لا تجد من يدفع عجلات كرسيها.

 

وفي ليلة ذات اليوم قبيل منتصفها يجلس الصغير علي سريرها ينصت إلي وصاياها التي دائما ما تُمليها عليه ،تزاحمت الدموع في مقلتيه  ثمة شيء بداخله يخبره بأنها الوصية الأخيرة؛وبينما الليل يلملم حقائبه السوداء عازما علي الرحيل تضم فاطمة ولدها الي صدرها بشدة ودموعها تتساقط علي رأسه كالسيل،هي تعلم بأنه لا يفصلها عن الموت سوي لحظات ولكنها لا تبكي لشأنه بل من أجل طفلها الوحيد ،لمن ستتركه؟ومن سيعتني به؟من سيحميه من طعنات الزمن الغادرة وسهامه السامة؟!هي فقط تؤمن بأن الله لن يضيعه حيّاً أو ميتاً؛همست بالشهادة ثم فاضت روحها الي بارئها لتلحق بزوجها في جنّة الخلد بإذن الله ، كان لديه من العمر حينئذ سبع سنوات !.

 

سرد لي قصصاً من الخذلان واليأس والإحباط والهزيمة ، داهمت الدموع مقلتي ومقلتيه اغرورقت كلتا العينين بالدموع ، شعرت حينها أنه يجب علي أن أحتضنه ، وقفنا سوياً ، ظللت أقترب منه – اقترب مني هو الآخر – أقتربت أكثر وما إن هممت بإحتضانه حتى اصطدمت رأسي بلوح زجاجي أمامي ، أدركت حينها أنها مرآتي !، وان ذلك الشخص ما كان إلا إنعكاساً لي! .

 

 

 

Share on Facebook
Facebook
0Pin on Pinterest
Pinterest
0Share on Google+
Google+
0Tweet about this on Twitter
Twitter
Share on LinkedIn
Linkedin

يُسعدنا أن تشارك الموضوع مع أصدقائك !

عن محمد عبد الله قاسم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.