الرئيسية / اخبار عاجلة / محمد عبدالله يكتب:” مقبرة الثانوية ” 
صورة أرشيفية

محمد عبدالله يكتب:” مقبرة الثانوية ” 

أقبل اليوم الموعود كعادته حاملاً في جعبته كثيراً من المفاجئات – السيئ منها والحسن – التي يعطيها لمن يشاء من الطلاب الذين كنت واحداً منهم – في الحقيقة لم يكن عادلاً بما فيه الكفاية – ظللت أنتظر ذلك اليوم بالرغم أني أعلم تماماً أنه لن يتغير في الأمر شئ سواء حصلت علي المراتب العليا أم الدنيا ، فقدت ثلاثة من أصدقائي بسبب مجموعة أرقام حمقى  تدون علي ظهر قطعة ورقية – تدعى بالدرجات – لا تسمن ولا تغني من جوع ، لقد كنا خمسة ولم يبق سوي إثنين  – انتحر ثلاثة منا أثناء خوض الإمتحانات !- ، جاء يوم  ظهور نتيجة الثانوية الأزهرية ، وقتها كنت ألعب رياضة كرة القدم خارج البيت وحينما كنت عائداً قابلني محمود – صديق الطفولة – وأخبرني بأنه حصل علي 92% ، وسيلتحق بكلية الهندسة.

وما إن رجعت حتى وجدت الجميع فرحاً بنجاحي – إلا أنا – علقت الزينة أمام البيت وتبادلت القُبلات والأحضان مع أقاربي وأصدقائي ولكني لم أكن أشعر بتلك السعادة الخارجية  – التي كنت أتظاهر بها – حينها خاطبني عقلي قائلاً ما الخطب يا فتى ؟! لقد حققت حلم والديك وحصلت علي أعلي الدرجات وتستطيع الآن أن تدخل كلية اللغات والترجمة التي أرادوها لك! بينما قاطعه القلب قائلاً أنا لا أستطيع السير علي ذلك الخط الذي رسموه لي علي طريق غير مريده ، لقد كبرت بما يكفي لأختار لنفسي ما تريده !، هل يستطيع السمك العيش خارج الماء !، في الحقيقة كنت أريد الإلتحاق بكلية الإعلام التي طالما ما كانت تراودني في أحلام اليقظة قبل النوم ، ساد الإختلاف بين أفراد العائلة  فأخي الكبير يريدني أن ألتحق بكلية الشريعة والقانون لأحصل علي وظيفة مرموقة مثله – كان يعمل كموظف بمصلحة الضرائب وراتبه قد تعدي الخمسة الآف جنيه وقتها – بينما والدي كان يريدني أن ألتحق باللغات والترجمة – لأصبح مترجماً فورياً كإبن صديقه خالد الذي عادة ما كانا يجلسان سوياً يلعبون الدومينو – وأمي كان رأيها مماثلاً له ،  ومن جانب آخر كان أحد أخوالي يريدني أن ألتحق بكلية التربية لأصبح مدرس تاريخٍ مثله !، لم يسألني أحدهم ما الكلية التي أريدها !، تسآءلت حينها لماذا كل هؤلاء الناس يرسمون ملامح مستقبلي ، ألست أنا أعلم وأبصر بقداراتي ورغباتي ومصالحي !، لماذا يفرضون علي العصفور أن يقص جناحاه ويمكث في قفص لمجرد أن صوته جميل ويسر الناس بمشاهدته أليس من حق العصفور أن يحلق في السماء ؟ ، شعرت وكأنهم يتنافسون فيما بينهم حاولت كل الأطراف إقناعي بشتى الطرق والوسائل – وصل الأمر إلي التهديد في بعض المحاولات – لكنِّي بالأخير لم أقتنع ، وأصررت على دخول الكلية التي لطالما حلمت بها .

كان الأمر صعبا في البداية فوالدي مازال غاضباً مني إلي الآن ، وأمي لا زالت تملي علي أحاديثها بشأن صديقي المهندس الذي أصبح الآن يحمل الالآتاً هندسية وعدة لوحات بيضاء في حقيبته التي فوق ظهره ،  وإبنة عمي الطبيبة – لقد أخبرتني أنها قد إشترت ملابس بيضاء وأصبح الجميع ينادونها بالدكتورة شيماء! ، بل أنها  وضعت حرف D” ” الذي يرمز إلي مصطلح دكتور بالإنجليزية  قبل اسمها علي موقع التواصل الإجتماعي ” فيس بوك ” –  وجارنا الشرطي الذي ارتدي البدلة البيضاء المطرزة بالنجوم -الميري- وأصبح الجميع ينادونه بـ” حظابط ” وإبنة عم خالتي التي تتقاضي بالدولار وإبن خالتي الذي يعمل كمحاسب في إحد البنوك – أخبرتني والدتي بأنه قد إشتري آلة حاسبة جديدة وأنه أصبح الآن هوالمسؤل عن مصروفات البيت- ، وأخي لا زال يحاول إقناعي بالتحويل إلي الكلية التي تخرج منها – إزداد في إلحاحه بعد أن زاد راتبه إلي 7 ألآف جنيهِ  – ، بينما خالي اكتفي بقوله لي ” انت طول عمرك عبيط كده هتفضل تجري ورا حاجات فاضية اعلام إيه وكلام فاضي إيه مش هتلاقي شغل ولا زفت وابقي قابلني لو جريدة رضيت تشغلك من غير واسطة ” ، لا أخفيك سراً فلقد أحبطت في أول الأمر – لقد فكرت في ترك الكلية في بعض الأحيان – ولكني بالرغم من كل تلك العقبات فقد كنت ولا زلت سعيداً في كلية الإعلام ، وها أنا الآن أعمل في موقع إخباري – ليس بالكبير- قام بتأسيسه أحد أصدقائي ويشهد الله أني فرح جداً بالرغم أنهم مازالوا يلومنني حتي الآن .

أوقن تماماً أن الشهادات الدراسية قد تمنحك وظيفـة جيدة ، زوجة جميلة ، مكاناً إجتماعياً مرموقاً ، إحتراماً وتبجيلاً مصطنعاً لكنها غير قادرة مقدار قيد أنملة على أن تعطيك السعـادة ، العلم ، الثقافة ؛ كل تلك الأشياء القيمة ، ليس مقصد مقالي أن أسخر من الطبيب أو المهندس أو المحاسب أوغيره – يعلم الله أني لا أُكِـنُّ  لهم شيئاً سيئاً في قلبي -، أو أني أريدك ألا تذاكر أوتجتهد لتحصل علي درجات مرتفعة بل اجتهد وتعلم وابذل ما بوسعك ولكن تأكد جيداً أولاً أن هذا الطريق سيوصلك إلي نهاية تبغيها ، أسديك نصحاً ألا تجعل غيرك يقود سفيتنك إلي وجهة لا تريدها !.

Share on Facebook
Facebook
0Pin on Pinterest
Pinterest
0Share on Google+
Google+
0Tweet about this on Twitter
Twitter
Share on LinkedIn
Linkedin

يُسعدنا أن تشارك الموضوع مع أصدقائك !

عن محمد عبد الله قاسم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.