من القائد المسلم الذي فتح الصين


يُسعدنا أن تشارك الموضوع مع أصدقائك !Share on FacebookPin on PinterestShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

بقلم/ عاصم رضا

برزت أسماء العديد من المحاربين المسلمين البسلاء الذين غيروا مجرى التاريخ بقيادتهم الحكيمة وهدفهم السامي، وهو خدمة الإسلام ونشره على أوسع نطاق، فنقشت أسماؤهم بماء الذهب، حيث كانوا محاربين لا يعرفون إلا سيوفهم ورماحهم المحكومة بقواعد الدين الإسلامي، فلا تبطش أيديهم غير الباطل، ولا تعدوا خيولهم إلا لانتشال الأراضي التي لم تنل شرف التعرف على الدين الإسلامي الحنيف من الظلام الدامس، ومن بين هؤلا الشجعان، البطل المغوار قتيبة بن مسلم الباهلي قائد الفتوحات الإسلامية في بلاد آسيا الوسطى في القرن الأول الهجري، وهو القائد الشجاع الذي سيلقي المبدأ الضوء على بعض إنجازاته وكيفية فتحه لبلاد الصين.

من هو القائد الإسلامي الذي فتح بلاد الصين؟

هو قتيبة بن مسلم الباهلي الذي ولد في (49 هـ – 669 م )، ولد قتيبة في بيت إمرة وقيادة سنة 49 هـ لأسرة من قبيلة باهلة النجدية، تعلم الفقه واستقى العلم والقرآن، ثم اتجه لينشأ على الفروسية فتربى تربية صلدة متينة، استقى خلالها الفروسية حيث كان محبًا لها بالإضافة إلى تعلمه فنون القتال وانخراطه في الأعمال الحربية وتعلم التخطيط الجيد الحكيم، أحبَّ أن يتعلم على ظهور الخيول ممسكًا السيف بيده، فعاش شجاعًا قويًا ورعًا تقيا، لا يخشى في الله لومة لائم ولا يكترث إلا لنشر الدين الإسلامي والجهاد في سبيل الله، حتى أن أحدهم  قال بعد موته “قتلتم قتيبة، والله لو كان منا فمات؛ لجعلناه في تابوت فكنا نستسقي به ونستفتح به في المعارك” تيمنًا به واعترافًا بقوته وشجاعته وقدرته القتالية والتخطيطية والتنفيذية المتميزة.

 بداية جهاده وفتوحاته:

كان قتيبة شابًا ذكيًا نابغًا في فنون الحرب، فولاه الحجاج بن يوسف الثقفي (وكان يحب المواهب الشابة الشجاعة) ولاية خراسان بعد أن علم ذكائه ونبوغه وشجاعته، وكان المهلب بن أبى صفرة والياً على خراسان من عام 78 حتى 86 هجرية، وقد رأى الحجاج أن يدفع بدماء شابة جديدة في قيادة المجاهدين هناك، فلم يجد أفضل من قتيبة بن مسلم لهذه المهمة، وقد كانت خراسان آنذاك ضمن أعمال العراق، أقام قتيبة بها 13 عامًا، وكان أكبر همه أن يفتح بلاد ما وراء النهر، وقد مهد الله الطريقَ له ليبدأ رحلته في فتح الشرق كله، فبدأ بفتح خوارزم  وسجستان، وصولًا إلى سمرقند التي حاصرهًا حصارًا شديدًا حتى استسلم أهلها وصالحوه على أموال كثيرة، فاستعد له الصفد وجمعوا له فقاتلهم في شومان واحتدمت المعارك فهزمهم شر هزيمة ثم سار نحو بيكند وهي آخر مدن بخارى فأحاطوا به هناك، ولكنه بفطنته استطاع أن يتخلص من الخائنين، ثم قام فخطب في جيشه ليحثهم على القتال، ثم دارت المعركة واشتد وطيسها حتى انتصر المسلمون بقيادة قتيبة؛ ليشقوا طريقهم نحو الصين، ثم تبدأ معارك قتيبة ضد المدن التي تقع على أطراف الصين ويضرب عليهم الجزية ثم يتجه إلى أسوار الصين ليحارب لمدة 13 عامًا ممسكًا بسيفه مجاهدًا في سبيل الإسلام وتحقيق الغاية الأسمى وهي الفتح ونشر الإسلام في الشرق كله.

سياسته واستراتيجيته القتالية:

سار قتيبة بن مسلم الباهلي على خطى آل المهلب، مستخدما سياستهم التي تعتمد على سرعة التنفيذ وعدم ترك أي فرصة حتى يستعد العدو لملاقاته، إلا أنه تميز عن آل المهلب في أنه كان يضع خططًا محكمة لكل خطوة يتخذها ويحشد لكل حملة كل ما يملك من قوى بغرض الحصول على هدفه، وكان من أسباب نجاحه الباهر أن أرسى قواعد الدين الإسلامي لتحكم وهو الأمر الذي ساعده على القضاء على الفتن الداخلية والخارجية، حيث انتشرت بعض حرمات التمرد الداخلية في بلاد خراسان استطاع بذكاء التعامل معها، كان قتيبة بن مسلم الباهلي يدفع بأقوى القادة والرجال إلى الصفوف الأمامية في ميادين القتال وكان يقف دائما على رأس جيشه ليبث الأمل والشجاعة في قلوب الصفوف المتأخرة، كانت تلك أهم السياسات والخطط التي استخدمها قتيبة والتي تتمثل في:

  • سرعة الهجوم دون أن يعطي الفرصة للقوات المعادية للتحصن أو الاستعداد.
  • تركيز القوات والدفع بأشجع وأمهر القادة إلى الأمام وهو على رأسهم للفتك بالأعداء وبث روح الشجاعة في الصفوف المتأخرة.
  • توجيه أغلب إن لم يكن كل تركيزه إلى الهدف التالي وحشد كل ما يملك من قوى للحصول على الهدف.

قتيبة وملك الصين:

لما علم ملك الصين بأمر قتيبة وشجاعته وموهبته الفذة في القتال أرسل إليه يريده أن ينتخب إليه رجلًا شريفًا يخبره عن دينه، فاختار قتيبة عشرة رجال (على رأسهم هبيرة بن مشمرج الكلابي) لهم جمال وألسن وبأس وعقل وصلاح فأمر لهم بعدة حسنة و متاع حسن من الخز والوشي والخيل، وأبلغهم أن إذا دخلتم عليه فأعلموه “أنني قد حلفت أني لا أنصرف حتى أطأ بلادهم و أختم ملوكهم و أجبي خراجهم”، دارت حوارات بين الرجال الذين أرسلهم قتيبة وبين ملك الصين الذي أخرهم أنهم في قبضته وأن بإمكانه أن يقتلهم، إلا أن هبيرة أحسن الرد على ملك الصين حيث بين له أنهم لا يخشون في الله لومة لائم وأن لكل منهم أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، فأعجب الملك بشجاعة هؤلاء الرجال وعدل عن رأيه المتمثل في تهديدهم بالقتل وأعجب بفصاحتهم، إلا أن هبيرة سرعان ما أبلغ الملك برسالة قتيبة فقال له “أما تخويفك إيانا بالقتل فإن لنا آجالا إذا حضرت فأكرمها القتل و لسنا نكرهه و لا نخافه و قد حلف أن لا ينصرف حتى يطأ أرضكم و يختم ملوككم و يعطى الجزية”، فرد الملك قائلًا: فما الذي يرضي ملككم؟ فأعاد هبيرة: “إنه حلف ألا ينصرف حتى يطأ أرضكم، ويختم ملوككم، ويعطي الجزية” قال: فإنا نخرجه من يمينه و نبعث تراب أرضنا فيطأه و نبعث إليه ببعض أبنائنا فيختمهم و نبعث إليه بجزية يرضاها فبعث إليه بهدية و أربعة غلمان من أبناء ملوكهم ثم أجازهم فأحسن فقدموا على قتيبة فقبل قتيبة الجزية و ختم الغلمان و ردهم ووطئ التراب.

مقتل قتيبة:

يخلتف الكثير من المؤرخين في قصة مقتل قتيبة بن مسلم الباهلي فمنهم من قال إن قتيبة وكما أسلفنا كان من رجال الحجاج بن يوسف الثقفي الذي كان يكرهه سليمان بن عبدالملك بالإضافة إلى أنه وقف إلى جانب الوليد بن عبدالملك حين أراد أن يأخذ عهد الولاية من سليمان بن عبدالملك ويعطيه لابنه فخشي على نفسه منه فبادر إليه بثلاثة كتب: الأول عبارة عن كتاب من قتيبة يحمل التهنئة لسليمان بن عبدالملك والولاء، والكتاب الثاني يحمل فضل وشجاعة قتيبة في مواجهة أعدائه والتنكيل بهم، والكتاب الثالث فيه خلعه عن الحكم وأرسل الكتب مع رسول له يثق فيه وقال له ادفع إليه الكتاب الأول فإذا قرأه في حضرة يزيد وألقاه إليه ادفع إليه الثاني فإذا قرأه وألقاه إليه فادفع إليه الثالث وأخبر قتيبةُ رسولَه أنه إذا قرأ سليمان الكتاب الأول واكتفى ولم يدفعه إلى يزيد فاحبس الكتابين الآخرين ولا تدفعهما إليه، فلما جاء الرسول إلى سليمان ودفع إليه الكتاب الأول قرأه وألقاه إلى يزيد فأخرج الرسول له الكتاب الثاني فقرأه وألقاه إلى يزيد، فأخرج له الثالث فلما قرأه تغير لون وجهه وكتمه وأمسكه وفي الليل أمر بإحضار رسول قتيبة وأعطاه عهد قتيبة بخرسان، إلا أن قتيبة كان قد جمع الجموع واستعد للخروج على سليمان فقتله أحد عملاء سليمان بسهم طائش ووقع قتيلًا سنة (96 هـ = 715م).

قال مؤرخون آخرون إن قتيبة لم يتمرد على سليمان بن عبدالملك ولكنه وقع ضحية مؤامرة حاكها الطامعين في الحكم بالولاية، إلا أن هناك رواية أغرب من الروايتين السابقتين حيث قيل إن قتيبة لم يمت في عهد سليمان بل عاش وتجاوز فترة حكم سليمان ليعاصر عهد عمر بن عبدالعزيز، حيث عقدت محكمة سمرقند التي كان طرفاها كهنة سمرقند وقتيبة بن مسلم الباهلي، حيث إن على سير الأحداث التي جرت في محكمة سمرقند دخل كل أهلها في الإسلام، ودفن قتيبة في نفس البقاع التي فتحها حيث يوجد قبره في “وادي” فرغانة في أوزبكستان قريب من مدينة أنديجان.

أثره:

لا شك أن للقائد الإسلامي العظيم قتيبة بن مسلم الباهلي عظيم الأثر في خدمة الإسلام حيث تمسك بهدفه رغم الصعاب التي واجهته وفتح بلاد ما وراء النهرين واستطاع بعزيمته وشجاعته وحبه للجهاد من فتح البلاد التي تسمى اليوم بالجمهوريات الإسلامية والتي انفصل عن الاتحاد السوفيتي، وذلك فضلًا عن توغله حتى وصوله إلى حدود الصين وهو ما كان له عظيم الأثر في أن تلك الدول تدين بالإسلام الآن.

 

يُسعدنا أن تشارك الموضوع مع أصدقائك !Share on FacebookPin on PinterestShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.