حياة

محمد متولي

حياة

صحى البطل مفزوعًا من صمتِ الحسناء، وجد الشال الأخضر يتوق العنق والرأس، نظر بعينان بريقهما يُنيرا المكان، أقترب منها ووضع أصابعه على ثغرها ليقبلها قبلة الوداع فوجد ذاته يُقبل يداه.

***

القطعة السابقة ما هي إلا نهاية قصة وددتُ كثيرًا الخوض والإقامة بدهاليز أعماقها.

لكن الأن ما يشغل تفكيري وما بحثت عنه ومازلت، هو معنى الحياة؟

ما توصلت له هو كآلاتي؛

الحياة لغةً هي نقيضُ الموت، هي جميع من يتنفس على وجه الكرة الأرضية أو خارجها! الحياةُ وجع.. فرح.. حُلم.. تحقيق الذات، الأهداف، المساعدات الصحية والمادية والمعنوية..

هل فلسفة الحياة أن أحيا للتكاثر والطعام والشراب والنوم والعمل فقط هل الحياة أن تغدوا على وتيرةِ نمطية حمقاء لا تُود القيام إلا فيما وضعوه لك وفق الخطةُ الشمطاء الذين صاروا عليها لحين المنتهى وصار الشيب يأكل عِظامهم.

هل الحياة أن تمشي وفق العادات والتقاليد العمياء لتتقي شر الألسُن المتعجرفة التي تسُب وتلعن الشاذُ عن القواعد، أليس للشاذُ احترام مثل الباقية، هل أجرم عندما تخلف عن قواعدهم وصارت له قواعده وعاداته التي يغدوا عليها ليُحقق الذي يُريده وفق خطةٍ منظمة من قبلِ عقليةٍ مُتفتحةٍ على العالم الخارجي وعلى الصواب والخطأ.

هل بعهد الأنبياء كان يوجد عادات وتقاليد؟

علمتُ أن الوجود يتمثلُ في جميع الأشياء، فلا شئ بلا وجود، فلولا الوجود لما كنتُ موجود. الوجود هو الدلالة على الأشياء هو العين الثابتة والمعينة.

***

لم أكترث للجميع الذين هاجمونيّ لأجل أنني خطوت بعيدًا عن عبائتهم المُظلمة كريهة الرائحة.

لم أكترث للبحثُ عن الحياةُ والوجود وفلسفتهما، لأنني وجدتُ الحياة عندما وجدتُ حياة, تلك البنت الريفيةُ السمراء. كانت هناك بجوار المقام تجلس كما كانت بالحُلم!

***

رأيتها الأمس بوشاحها الأخضر كرداء مقامات الأولياء، عينيها وقعت صوب عينيّ فسوادهما عانقا جسدي وهي على بُعد أميالٍ منيّ، تقربتُ قليلًا صار بيني وبينها ذراعًا هبت رائحةٌ كالمسك.

ما هذا الجمال الذي وجدته بوجهها الملائكي، لمحاتٌ من الحزن الطافي على قسماتها لكنه لم يؤثر على الهالة البيضاء التي تحوطها من كل جانب.

نظرتُ حوليّ فلم أجد غيرنا بالوجود، المكانُ فسيح والهواء سريع يضربُ وجهي بحنو وكأنه يربت عليه.

وجدتها أقتربت منيّ أكثر مما نحنُ عليه، خطتْ بيديها فوق شعري الكستنائي- طويل النبته- ثم وجدتها خلعت شالها المُعطر برائحة الكافور الطاردة، غطتني ومسدتنيّ بأصابعها.

أريدها لنخطوا سويًا الأحلام ونصعد درجات الخيال ونحن نتمسك بالحبال الخشنة التي توشك على الذوبان.

وجدتُ بين يديها الصغيرتان معنى للوجود الذي كنت سأجن لمعرفة ماهية وجودي بالحياة التي وجُدتُ بها ولا لأحد علمٍ بما عليّ فعله غير السير وراء العادات والتقاليد الذي تُعرقل الطريق ونحن نظن أننا على الطريق الصحيح لأجل عائلتنا الذين يُحكّموننا.

لم أدري أن الحضن حِصن ولا أعلم إذا كان محرم هذا أم لا، هل لأنني مُشتاقُ له فليس ذنب! أم لأنني وجدتُ بوجهها الكريم صورة لأمي رحمها الله.

هل بعثها خالق البعث لتهدينيّ للطريق المُستقيم، أم أنها مشتاقة لي وتتوق للعشق الذي يحيط بخلاينا مثلما رأينا بعضنا البعض. قلتُ: من أنتِ ومن أين أتيتِ؟ فتاةُ ريفية جاءت المدينة لأجلِ حُلم وودتُ كثيرًا اللقاء ولكن الفراق بعد السكون عبث، وجدتُ في الحياةِ عبثية فلم أكترثُ لها بل ظللتُ وراء الحُلم الذي طالما راودني في الصباح هناك حيث الريف ورائحة الندى المُطل على الأشجار وأوراق الزرع الأخضر، جئتُ وسعيتُ ووصلتُ

جلستُ بجوار أحد مقامات الأولياء الصالحين مثلما أخبرني الحلم. جلست وليس ليّ أي علم عما سأفعله بعدما تركتُ منزلي وعائلتيّ، كنتُ أبكي كثيرًا وأدعي لئلا يأتيني بالمنام دليلُ يدلني الطريق الذي سأسلكه. أخبرت السيدة نفسية  ماذا علي أن أفعل وجاءني الرد يومها, التعبد والسير وراء الحُلم للنهاية، فأخرته سيكن المُنتهى.

صحيتُ من النوم على آذان صلاة الفجر ووجدت جواري هذا الشال الأخضر الذي تتدفئ بهِ. كان من نفس رداء مقام نفيسة العلم.

صليت الفجر ونمتُ مرةً أخرى وكنت أنت بهذا الحُلم، لم أكن أعلم علاقتك بحُلميّ, ولكني أنتظرتُ الإشارة الذي ستدُلني عليك.

يومها بعد صلاة العصر جاءني الشيخ الذي تربيتُ على يديه فيما بعد، وأخبرني أنه رأني الأمس بمنامه وهذا دليلُ على أنه حان الميعاد على تلقيني سرُ الحياة، بل كما أُسميها -أنا- سرُ العشق.

لم أجد فرصةٍ لأنتفض أنسب من هذه. قلت: وما هو يا حياة!

أبتسمت حياة على أنني علمتُ أسمها من دونِ أخباري به.

العشقُ الخالي من القبلات يُنفي العشقُ الممتلئ بالأحضان ويُمحيهما العشقُ في معيةِ الله. علمتُ أنك أنت المُنتهى وعندك نهايةُ الطريق يا شيخُ العلم والحياة.

أنت المُراد وعندك سيكن مُنتهايّ.

أنت من علمتني يا شيخي الحياة أنت من قلتَ ليّ يوما ما سيأتي المنتهى يا حياة وحينها سنكن في معيةِ الله ألم يتسنى لك معرفة الحُلم الذي رأيتني فيه يا شيخَ الحياة، ألم تتذكر نظراتنا في مقام نفيسة العلم، أنت كنت مُعلمي وحياتيّ، والأن أنا على عتباتِ المنتهى ووصيتي لك إكمال المسيرة التي مشيتها معك لأصير كما أراد المولى وتصير، لنرى معنى الحياة في سرِ العشق الذي وجدناه الأن.

***

صحيتُ من نومي مفزوعًا من سكونِ الحياة.

الصلاةُ خير من النوم..

وجدتُ الشال الأخضر مترامي بجواري وفطنتُ لحياة التي كانت هنا منذ عشراتُ الأيام نتحاكي ونتسامر ونُصلي وندعي الله ونحن أمام مقام نفيسة العلم, والأن حياة صارت مع الأرواح الصافية وأنني يجب عليّ تكملة ما بدأته من قِبل حياة.

والأن علمت أن نهاية الوجود منتهايّ فلا معنى للحياة بدون وجود حياة.

أنتهت

Share on FacebookPin on PinterestShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn
يُسعدنا أن تشارك الموضوع مع أصدقائك !

عن محمد متولي

طالب بكلية الهندسة جامعة القاهرة، 21 عام، كاتب بموقع المبدأ ومن أحد شركاءه ومؤسسيه. [email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.