الرئيسية / أخر أخبار مصر اليوم / “أحببتكَ أسبوعًا!” للكاتب محمد متولي

“أحببتكَ أسبوعًا!” للكاتب محمد متولي

أحببتكَ أسبوعًا!

 

لقد أحببتك من لون الزهر الذي تستنشقه صباح يوم السبت؛ البنفسج الذي كان متمثلًا في اللافندر القائم بعناقيده الطويلة.

رأيتك وقتئذ من مدى بعيد جالسًا على مؤخرتك المربعة تتحسس قالب الزهور البنفسجية، بدأت بالاقتراب رويدًا، أوردة قلبي تحدثت وخرجت من صمتها وكآبتها التي غدت عليها منذ رحيلك – عني – بل رحيل القلب الذي تشبهه أنت بملامح رأسك الخلفية، صارت حجرات القلب تتسارع على البقاء لرؤيتك حيًّا ترتع بفروع الورد مثلما تفعل منذ القدم، خلايا رئتيّ مضطربة، الهواء المحيط غير كافٍ لإعطائي القدر المناسب لأظل بجوارك وأتمتع بالنظرِ إليك – حتى من خلفك – حاولت الانثناء بعدما ظهرت أمامك من حيث لا تعلم وكأني حورية طارت من بيتها – الجنة – لتتربع على عرش مُلكك المُتوج بالأزهار الكثيرة، رائحة اللافندار فواحة وتُذقم أنفي بعد اقترابي من وجهك المُتجهم، حركتُ يديّ ولامست حاجبيك العابسين، لكنك ابتعدتَ، وابتعدتُ عنك، أنت لفظتني وأهملتني بغيابك المعتاد مع زهورك وحياتك التي شكلتها على هواك – مع أني السبب فيها.

قفز قالب زهور النرجس بأسفل قدمك، ففاحت عنه الرائحة المعتادة منه، فانحنيت والتقطتُ زهرة من الزهور المشتتة كعقلك المشوش، ووضعتها بيديك بعدما أمسكتها والخشية لا تفر من عينيك الخضراء كورود الكاميليا، وانثنت أصابعك تلقائيًّا على الزهرة لتحميها من الوقوع، بينما أنا تركتها تضيع في ثنايا الألم، وخلايا الجرح العميق التي لا يُداويها شيء.

أنا امرأة تحتاج لاندمال الجرح الذي سببته بأشواك زهورك، وعمقتهُ بسيقان ورودك السميكة.

قمت من مكانك وبيدك قالب النرجس الكبريتي ونظرت لي “هل ليّ بمساعدتكِ يا….؟”أفقتُ من تيهي الذي طال أمام عينيك، وتذكرتُ أنك لستَ هنا منذ القدم.

أحببتكَ يوم الأحد، عندما أراك تقف بعيدًا عن مرمى العيون وبيدك زهرتك المفضلة وتنظر للشمس في ساعتها الأولى لتتدفأ من شعاعها المستقيم النافذ لخلايا جلدك الكستنائي، أعلم أن يوم الأحد هو العطلة الرسمية لك لذا تقضيه بأكمله فوق الجبل.

أعلم أنك تتعجب من هذه المعلومات التي بحوزتي عنك، أنت لا تعرف أنني البنت الماثلة أمامك يوميًّا وأنت غاض بصرك عنها، أنا من تقبع أمام مدينتك المتهالكة، تنتظرك في الصباح لتراك وتطمئن عليك وأنت تعبر حدود العتبة الفاصلة بين حياتك التي شكلتها على هواك وحياتك المزيفة التي تظهر بها أمام الجميع، أنا من عريتك من ضبابِ الوجود الجالس بداخلك، أنا من أرسلت لك أول ورقة مطوية مع حمامتي المفضلة لديّ، تحرر يا صديقي تحرر من القيود الموضوعة عليك، من ديانتك وعائلتك ومن حبيبتك! تحرر ولا تترك خلفك الأثر الموصوم،اخلق لنفسك الشغف لتسعى خلفه، ولكنك تنحيت عن هذا الجواب وتركت الحمامة خاصتي عندك، لم تُفكر حتى ولو لحظة من أرسلها لك.

رأيتك من بعيد وأنت تُمزق الورقة التي عافرت لأكتبها لشخص مثلك عديم المنفعة، ولكنك تركتَ بقلبي جميع الغرف تتلهف على سماعِ نبضاتك، جلدي كان ينهار لأنه يشتاق للعناق بل للملامسة الطفيفة التي تخلق شررًا بسيطًا عندما تتلامس الجلود المتعطشة ببضع ثوانٍ لا تزيد عن السبع مثلما أحببتُكَ في سبعٍ!

أحببتكَ عندما رأيتكَ تبتهل لربك، كنتُ أمامك مباشرةً من الجنب الآخر للعقار المقابل لنافذتك، ولكنك قليلًا ما تنظر للجانب الذي أسكن فيه! لماذا أراك تُصلي لربك فقط يوم الإثنين؟ أهذا اليوم مقدسُ لديكم في الديانة التي تعتنقها، أم هو مقدس لديك بشكلٍ خاص؟ لم لم تشعر بي مثلما أعرفُ عنك كل كبيرة وصغيرة؟ أنا من تُساعدك من خلفك، أتعلمُ أنني من عرفتك على أعلى نقطة بالجبال لترى الشمس وتتنفس عبير الزهرة المفضلة لديك؟ أتعلم أنني من جهزت لك المكان المخصص لتزرع به الورد الذي تستنشقه ليل نهار وأنت متوحد معه بعدما شكلت حياتك؟!

لماذا يعتنق ابن آدم دينًا؟ هل لك بإجابتي على هذا السؤال؟ أم أنك ستتهرب كعادتك وكأنك لم ترني مثلما تفعل؟

ينتابني أحيانًا السؤال الذي يغرس الأشواك بضلوعي وهو أنك لا تُعيرني اهتمامًا لأنك تراني ساحبةً للجحيم، ولكنك لا تعلم أن جحيمي هو النعيم، أم أنك اتخذت الحديث قاعدةً، المرء على دينِ خليله، ولكني لا أريد أن أكون خليلتك.

أنا أريد أن أكون مكان حبيبتك التي تتملل من صمتك، وتتأفف من زهورك الكثيرة التي باتت حياتك الجديدة – أنا السبب بها – لم تغضُ النظر عني وأنت تراني أتدهور؟

أحببتك يوم الثلاثاء عندما واجهتك بجوابٍ آخر على حدودِ البلدة المتهالكة التي تعمل بها، نظرت لي بلا مبالاة والشفقة تملأ عينيك.

أنت لم تكن تعرف عني شيئًا، وبهذا اليوم عرفتَ عني ما لم يعرفه شخص، كنتُ أحكي وأنت صامت في ملكوتك الخاص، نظراتك للسماء المعبقة بالدخان، يملؤها الكثير من التساؤلات التي كنتُ أريد خوضها معك، ولكنك أخذت مني الورقة المطوية ووليت عني، ودخلت حدود العتبة المتهالكة، هذا سؤال أود طرحه عليك، لم تعمل بضيعة متهالكة من الحرب؟ لماذا لم تعمل مع أبيك في الدار المقدسة التي يمتلكها؟ ألست تحب ربك مثل الجميع؟

نعم أخبرتك سابقًا، تحرر من القيود المُكبلة لحريتك، تحرر من ديانتك التي فرضوها عليك، واعتنق دين الحب الذي يبحث عن الله في الملكوت، فجميع الأديان تصب في عودٍ واحد وهو الإيمان بالله، ولقد عرفنا الله بالحب، بالقلب، هو من خلقنا وزرع بنا العشق الذي نبحث بدلالته عنه.

“صديقي لقد قررت اليوم مواجهتك عن كثب لترى بعيوني الجراح التي وضعتها بي، لعلك تشعر بالنار المُتأججة بداخلي، لأضعك على طريق الصواب، فأرى حياتك جميعها خطايا، ولا أعلم عن مكنون سببها، ولكني أعرفك أنت، أنت العزيز لدي منذ الصغر، رأيتك من خلف زجاج نافذتك في يوم ثلاثاء من ثلاثاءات الأعوام تعانق حبيبتك في غفلةٍ ببطء بعدتْ يديك عنها، ونظرت لك نظرات تشي بالاحتقار، وبسهولة ورقة خلعتْ عن يديها الخاتم الذي يربطكما ببعضكما وولت عنك وتركتك مع الحمامة التي كانت على وشك المغادرة لولا أنك منعتها من رؤيتي”

أحببتك يوم الأربعاء عندما وجدتك تتبدل من حال لآخر، حينها وضعتُ أمامك الطريق لمشتلِ الزهور القابع على أطراف الحدود البعيدة عن ضيعتنا.

لم تخش الجلوس هناك وقت الحرب، كنت تؤمن أن الورد سيُغير ما بنفس القوم المار عليك من حينِ لآخر.

أراك من بعيد تنظر للبيوت المشتعلة بالنار جراء صاروخِ ألقي عليها وبيدك التوليب الأبيض تنثر أوراقه لتطير مع التيار المنجرف نحو الحرب وكأنه مُتعطش لرائحة الدخان، ومنتشٍ لسماع صراخ النساء العاريات، والأطفال الجرحى بملابسهم المهلهلة، والرجال الأقوياء يبكون وسط الدمار الذي حل ببيوتهم وعلى أطفالهم الشهداء..

تدخل الكوخ المُغطى بفروع الشجر وأوراقه المخملية تحميك من الأمطار التي تأخذ الدخان وتنزل تسقي الزهور المتعطشة من ثنايا الكوخ البسيط.

زرتك مرتين يا صديقي…

يوم الخميس كانت الأولى؛ عندما وجدتك عائدًا من هناك ومعك حقيبتك التي غادرت بها عندما بعثتُ لك جواب آخر يُخبرك عن المكان ولم أخبرك باسمي ولا بشيء أكثر مما أخبرتك به يوم مواجهتنا الأولى عند الحدود..

“لا تسأل من أنا، وإذا أردت فأنا حبيبتك أو صديقتك أو جارتك أو ملاكك أو شيطانك أو ضميرك أو عقلك أو قلبك، لا يهم الآن من أنا، الأهم هو من أنت، ولماذا لم تتخل إلى الآن عن نفسك لتجد نفسك، أعلم أنك حررت حمامتي وكانت هذه الإشارة الدالة على حريتك!

لم أجدك تتحرر، بل تقوقعت على ذاتك أكثر من ذي قبل، صلاتك لم تتم حتى يوم الإثنين، ولكن اعلم يا صديقي أنني سأتريثُ لك لأضعك على المنوال الذي ستغدو عليه طوال الأسبوع!”

أفقت من تيه عقلي على صوت الرجل الذي كان يشبهك يا صديقي، لقد أسهبت بالحديث وهو – الرجل – مُتشدق.

قال كما قلت: “هل لي بمساعدتكِ يا …”.

المرة الأخرى عندما قابلتك يا صديقي كان يوم الجمعة قبيل الضحى، وجدتك بمكانك المعتاد الذي أخبرتك به بالجوابِ قبل الأخير، ترى الزهور والأشجار من كل مكان، أنت من عمرت الجبل بالورود، أنت من جعلتها تنبتُ من الصخر- الله من أذن لها وأنت ما كنت إلا أداة – رأيتك من ظهرك جالسًا تضع الأصص بموضعها، الشمس واقعة عليك تُغريني فيك، أغار منها؛ لأنها تتشارك فيك معي، أردتك أن تكون لي وحدي، ولكنك لم تكن لي من الأساس.

اقتربت منك رويدًا وأنت متربع على الأرض تتنفس الروائح المختلطة بعبير أنواع الزهور متعددة الأنواع، ربتُّ على منحنى كتفك لتنظر لي بفاهٍ مفتوح.

ألم تعرفني يا صديقي؟! ألم تُحدد من أنا إلى الآن؟ ألم تذكر فضلي عليك وعثوري على المكان الذي كان مفضلًا لديك؟

نظرتُ على الجهة الأخرى والحرب ما زالت مشتعلة عن بكرة أبيها، قمتَ ووقفت أمامي وجبينك متعرق من الصدمة، وقع من يديك أصيص الزهر البنفسج، ووجدتُ الحمامة التي ذهبت خلفك منذ القدم تخرج من الكوخ المعبق بالزهور، والمتوج بأوراق المخمل الحمراء، وجدتها تُحلق نحو الدخان، ومن غير هوادة بالرجوع، وكانت هذه إشارة غير دالة على الخير، أتذكر عندما تركتها لتتحرر من قيدك لها لتأتيني؛ كنتَ وجدت حريتك وساعدتكُ على ذلك، والآن ما العمل في عدم رجوعها؟! هل ذهبت لتقول لي إنك أيضًا ذاهب بلا عودة؟

“هل لي بمساعدتكِ يا ..”صحيح، ما اسمك؟ للمرة الثانية نتقابل ولا أعرف اسمك؟

نظرتُ لك وتبسمتُ على جهلك يا صديقي، الجهل أسوأ الأعداء، وكنت أنت جاهل بما داخلك كما أنت منذ عاهدتك وخلقني ربك بداخلك.

“اسمي هو اسمك يا صديقي، (صفصاف) أنا بداخلك منذ ولادتك، كنت وما زلت أنت، أنت الطاهر في زمن الفُجر والأنجاس، أنت العشق الذي يتطلع على الراحة، نعم أخبرتك عنها ولكن بعدما جعلتني أغادرك لأسكن جزأك الآخر، الجزء الذي كنت تُريد التخلي عنه للعيش بسلام، وبعدما وليتُ عنك سرحتَ وغبت عن الملكوت بهواك، وضعت نفسك حول شرنقة الحياة التي وضعتها لك بالطريق، كنتُ أرسل لك الجوابات، لأحررك من ضباب الوجود المتمثل بكيانك ولكنك طغيتَ، كنتُ روحك الهائمة ولستُ أنت”.

أفقتُ من حقبة الذكريات المريرة على صوت الصرخات المعتادة في هذه الضيعة المتهالكة من البلدة.

دخلتُ للكوخ المُلطخ بالمخمل الداكن ونظرت للمرآة الداخلية لأتأكد أنني ما زلتُ هنا لم أذهب كما ذهبت الحمامة التي أرسلتها المجهولة التي لم أرها ولو مرة واحدة إلا بجواباتها المعتادة، هي من دلتني على طريق الصواب، هي من أخرجتني من عتمة الضباب.

أوراقها المطوية التي جاءت مع الحمام يوميًّا،انقطعت يوم الجمعة قبيل الضحى، عندما جاءت الحمامة بالورقة الأخيرة، ورأيتها تغادر نحو الدخان الأسود المتصاعد، ولم تعد لتذهب بطريقها المعتاد!

لقد أحببتها عمرًا بعدما أحبتني أسبوعًا!

تمّت..

****

مراجعة لغوية: أ/فؤاد

الغلاف: محمد متولي

 

Share on Facebook
Facebook
0Pin on Pinterest
Pinterest
0Share on Google+
Google+
0Tweet about this on Twitter
Twitter
Share on LinkedIn
Linkedin

يُسعدنا أن تشارك الموضوع مع أصدقائك !

عن محمد متولي

طالب بكلية الهندسة جامعة القاهرة، 22 عام، كاتب بموقع المبدأ ومن أحد شركاءه ومؤسسيه. [email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.