الرئيسية / اخبار عاجلة / الحكاية الأولى((التكوين)).. إلى أبي

الحكاية الأولى((التكوين)).. إلى أبي

محمد متولي

الغلاف: M.Hossam

الحكاية الأولى: التكوين

التكوين حالة الجنين حيال خرُوجه من بوتقة الغشاء.. يبدأ بوضع معالم حوله فيضع نفسه بشرنقة الأحداث المُهلِكة فيُدمر المغزى المتواجد لأجله في الحياة. يعود فيبحث عنه- المغزى- فيكتشف الكثير حول الوجود. وكان أول الاكتشاف هو الموت الذي يزورك فيبعد عنك أشخاص كنتُ تُريد اجراء الكثير من الحوارات والتعلم منهم أكثر

لكل أب رحل عن الحياة وتركنا نعاني ونكتشف نفوسنا ومعالم الدنيا الخفية وحدنا.

إلى أبي

الخميس 14/7/2011

ليلًا..

ليلة وفاة أباه، مازال قاصرًا، غير قادر على مواجهه الموت وحده لكنه لم يكترث.

***

أنا حقا اعترض!

قصدك أحا؟

اومأ برأسه الصغير. الخجل من نطق الكلمة جعله هادئ على غير العادة.

حسيب صديقي منذما كان في الإبتدائية، وُلِدَ على يديّ، من بين الجموع المتجمهرة حول الولد حديث الولادة بالعمارة؛ لم يبتسم إلا ليّ، كنتُ حينها لم أتعدى العشر سنوات، كنتُ وحيدًا ابحث عن أحد أفضي باسراري المتحجرة داخل قطعة اللحم الحمراء التي تنبض بداخل تجويف صدري. له، لهويّ مع إناث العمارة صارت محل شك من العائلة المكونة من أبي وأمي، ألعابي المُتمثلة في لف الإيشاربات على العرائس المتواجدة على طقم الفوتيه الأحمر بالصالة أسرت الشك داخل أوردة أمي، صار كمحل الدم يسري معه.

مرحلة ماضية وذهبت إلى مطرحها؛ هناك في غرف الذاكرة المصمته، خائفة الولوج، أبوابها مغلقةُ بإحكام، بين الحين والآخر أدلف من النافذة الخلفية لـاتطلع على عالمي المطمور، حتى جاء حسيب وتغيرت جميع الموازيين.

تتبعت نضوجه يومًا بعد يوم، الغريب أنني رأيت به نفسيّ!

عندما أتم العام الأول أخذته من أمهُ بعد إِلحاح من أبي أن يجلس معنا، كانت الموافقه من أمهُ سهلة لأن ببساطة لها من الإناث الكثير ولم تكن تتحمل تربية طفل اخر صغير.

تربى عندنا، ينام بجواري، في الليل ابدأ في فض أحداث اليوم عليه وكأنه واعي لما يُقال ولكن لا يهم، فحتما عندما يكبر سيعي ما قلته له.

بدأ الشنب يخط في وجهي، صوتي غلظ. تمردي زاد عن اللزوم على معاملة أبي.

عندما كبر حسيب ودخل المدرسة، أخذته أمه وترك فراغ كبير في الغرفة التي كانت تحتوينا، أرى سريره المقابل لفراشي فارغ، الوحدة التي شعرت بها عند عدم زيارته كانت جدَّ موحشه.

أيام الأجازة فقط هي من كانت تأوينا لأن مواعيدنا مناسبة للمقابلة والحكي، بدأ الشنب يخط بوجهه ودخلتُ أنا كلية الفنون. 

 

ألم يحبنيّ حسيب بالقدر الذي كنتُ اتمناه؟ أم أن تعلقي به جعلني أناني ولا اريده أن يحب أو يتحدث مع غيري!

كان بالماضي عندما يفعل شئ خطأ لم أكن احاسبه بل كنت أتحدث معه واتودد له، كان يتقبل حديثي ولم يكرر الخطأ عن إقتناع، كنت اطبق معه ما لم يُطبق علي. حسيب صديقي وشقيقي الذي اتمناه من ماضي بعيد.

بعدما دخل الإعدادية صار له منطق خاص منطق السخرية من المنطق والعقلانية الفذة صارت له الملاذ والهروب من قلب الأب القاسي عليه، أكان قاسيا فعلًا أم أنه يخشى عليه من الدنيا التي افنتْ الكثير من عائلته- والده- وراء الشهوات والمواد البيضاء المسرطنة ومدمنات العقل وعقاقير الأطفال الذين يشربونها فيغيبون عن الوعي ويصبح وعيهم هو ونس النوم باحلامهم.

كنت أخاف عليه أكثر من خوف والده عليه، لأنه ببساطة صديقي الذي تخلى عني وقت احتياجي له، لم أنسى أيامي معه عندما كنت اقرأ له عصر الحب لمحفوظ لم أنسى وهو يخبرني أن حمدون عجرمة خائن الصداقة والعِشرة بينه وبين عزت عبد الباقي. حينها تأثرت كثيرا وكرهت عجرمة ولم اظلمه ولم يصعب عليّ عندما حرض عزت الشرطة عليه بالجواب وحبسه عدد كبير من السنون، قلت هذا رد فعل لما جرى لعزت من الماضي برغم أن الصداقة عادت وعاد معها المجد لعزت! الأن أنا مكان عزت، ولكن ما الذي فعله حسيب ليُقال عليه خائن؟ أنا من فعلت بخيالي!

سألت أمهُ عليه مرة قالتلي أنه لم يعد يأتي للبيت اللهُمَّ إلاَّ القليل! تعجبتُ وحزنتُ على حاله. والده حالته الصحيه متدهورة.

يومًا ما، رأيته يدلف الحارة الذي كنَّا لم ندخلها يومًا على الإطلاق، أحداث هذه الحارة كانت كثيرًا مثيرة للاشمئزاز والشهوة معا.

مشيتُ خلفه رأيته على موعد مع غجرية من مومسات الشارع دخلا من مدخل العمارة الوحيدة بها- الحارة- بيديه اليمنى السيجارة والآخرى يعبث بخصر المرأة اللعوب!

حسيب ولد مازال قاصرًا على مواجهه الحياة، حسيب أبني الذي ربيته منذ الصغر، حسيب صديقي وشقيقي، لذا لم أصمت على هذه المهزلة التي وضع بها نفسه.

هرولتُ ودلفت للعمارة، جذبته من كتفه وأنا انظر للمرأة نظرات إحتقار وبدون كلمة ومن نظرتي له ترك خصرها، مشي معي.

تحدثنا كثيرًا يومُها كأنه اليوم هو من عشر سنوات.

لقد كرهته يا أخي.

هو والدك وخائف عليك، حسيب إذ كنت تود الرجوع والجلوس معي فسريرك مازال مكانه.

أود الاستقلال بعيدا عنه. أتتذكر عزت عبد الباقي، عصر الحب، أتتذكر رغبة عزت في الإستقلال، نشبت داخل عقله واولجت الحريق للخلايا الدماغية حتى جاء اليوم وفعلها.

نعم أتذكر خير التَذَكِرة، ولكنك لست عزت ولا والدك الست عين.

عندك حق، الستُ عين كانت المِثال الحيِ المُتمثل للرب في رحمته.

والدك سقيم ويريدك بجواره.

لا ولد لديه.

لا تقسو على نفسك.

لا ذات لدي، أمامك شبح لبشري ولكني نزلت التابوت منذما عدت المنزل في السادسه من عمري يا أخي.

ولماذا لم تأتي لأخيك وترتمي باحضاني وتخبرني.

حينها افتكرت انك لا تريدني وانك على حياتك معين.

حياتي إن لم تكن بها فكانت ستصير صماء، أنت جئت يا حسيب وكنت أنا على موعد مع القدر أن تصبح أخي يا أخي.

***

يوم الوفاة لم يكن حسيب كما عاهدته منذ المقابلة الأخيرة.

صامت، شاخص البصر، محدق النظر فيما آتي وذاهب، بؤبؤ عينيه لا يتحرك يمنه ولا يسرة.

وقفت أنا وهو ووالدي في العزاء بعدما دفناه، كان رجل تقي. فكيف كان يعامل حسيب المعاملة التي سمعتها عنه.

بعدما انتهى العزاء بعدها باسبوع رأيت والدة حسيب تتحدث مع أبي في الخفاء!!

سمعتها..

خذ حسيب أبنك يحبه وأخذه منذ الصغر أخًا، خذه فهو عديم المنفعة لا اريده، يكفي علي البنات، يكفي زواجهن ومصاريفهن وهو مازال قاصرا ومصاريفه كثيرة، وعلى المسؤلية لا حمل ولا طاقة له، خذه لكن بشرط أن تساعدني على تجهيز البنات.

لم اتوقع أن والدي سيوافق بهذه السهولة، هل حالة حسيب جعلت عضلات قلب أبي سلسة التفاهم والسكينة التي نزلت عليه عندما رأيته يخبره بأنه سيجلس عندنا مثل زمان..

خرج أبي من الغرفة، نظر ليَّ حسيب نظرات تشي بعدم الموافقة، لم اقاطعه ولم أقل له شئ. هذا قراره وله مطلق الحرية في الاختيار حتى لو أمه واخواته لم يريدوه فهو قادر على الإستقلال والحياة بعيدا عنهم. هو حسيب الولد الذي تربى على يدي، ربيته على الحرية والتعبير السليم والاخراج الماهر للمهارات وقتما يشاء. ولكن موت والده جعله شخص مختلف، شخص تخلى عن منطقه الفذ وعقليته الساخرة من الواقع المرير.

ما بك يا حسيب ما بك يا ولدي، يا صديقي، يا أخي، ما الذي جعلك كذلك، الموت ظالم يا عزيزي، الموت يأخذ مننا الأحباء، الموت قادر على فتك الحياة بما فيها.

أنا هنا يا صديقي، أنا الحضن الذي كنت تختبئ به زمان، اِقترب يا حسيب فوالدك الحقيقي مات لكني باقٍ لك، الرب سيجعلني معك إلى النهاية، الرب سيحمينا من الموت.

خرج حسيب وراء أبي ليعلن له رفضه….

لم يجده بدأ عملية البحث المعتادة منه دائمًا، هو لا يكل من البحث وراء حقه إلى أن يأخذه ولكن تلك المرة لم ولن يصل له.

وجد على الحائط المقابل لباب الشقة برواز كبير وعليه صورة والده وأقصى يمينها بالأعلى نعي أسود!

هرول مرة آخرى لغرفتنا وجدني جالس مطرحي لم أبرحُ مكاني بدأ يجرني من يدي وهو صامت وشاخص البصر. الشقة بأكملها عتمة إلا أمام المرآه.

ذهبنا نحوها فنظرنا لها والتحمت أجسادنا وصرنا جسد بشري واحد.

وعلمتُ أنني هنا ومازلت هنا وحسيب هو من تركني، غادر، لكنه سكن بداخلي سكن معي بغرفتنا معًا.

أنتهت.

***

رسالة حسيب لوالده.

أبي رحمك الرب، وجعلك مع الأنبياء والأبناء بالملكوت.

لقد كرهتك يا أبي لكني علمتُ أنني احبك كثيرًا بعد موتك، أالموت يجعلنا نشتاق ونكتشف حبنا وعشقنا بهذا الدرجة؟

الموت عظيم من عظماء الرب. الموت رحيم فهو مخلوق بأذن الرب فالجزء يأخذ صفات الكل والرب هو الكل.

أتعلم أنني كنتُ اتمنى أن تردعني أكثر وأكثر، كنت اتمرد واعاندك في الفواحش لأخبرك أنني لستُ مثل عائلتك، لكنك كنت على حق.

شربتُ السجائر وخلايا التذوق عندي تمتعت بتجرع الخمر لمرات عديدة، وعضوي صار ينتصب سريعًا عندما تمر أمامه أنثى من كثرة ممارستي العادة.

فقتُ من الأحلام التي تسكني واسكنها، أخرجني أخي- الجار- مما كنتُ فيه، لكني خرجتٌ متأخر للغاية.

تغيرت بعد مماتك، تغيرت يا أبي، تغيرت واريدك بجواري أريد شم عرقك والتدفئة من حضنك في يناير وأنا بينك وبين أمي.

اخرجني-الجار- ومات!

اخرجني والتحم بداخلي فصار هو أنت وصرتُ أنا هو.

كنت أود العيش أكثر.

أتعلم أننا نحن الثلاث سنعيش أسعد الأيام فوق عند الرب، معه، سنكن في معيته وفي حمايته، فوق حياته للمنتهى.

 يُتبع الحكايات التالية….

 

 

Share on Facebook
Facebook
0Pin on Pinterest
Pinterest
0Share on Google+
Google+
0Tweet about this on Twitter
Twitter
Share on LinkedIn
Linkedin

يُسعدنا أن تشارك الموضوع مع أصدقائك !

عن محمد متولي

طالب بكلية الهندسة جامعة القاهرة، 22 عام، كاتب بموقع المبدأ ومن أحد شركاءه ومؤسسيه. [email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.