الرئيسية / كتاب المبدأ / محمد متولي يكتب: الوحيد.. إلى “صديقي المقرب”

محمد متولي يكتب: الوحيد.. إلى “صديقي المقرب”

محمد متولي

تصحيح لغوي، الأستاذة: نهال محمد متولي.

الغلاف: صورة للبحر الأحمر. تصوير: M.Metwally

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

الوحيد صديقي، كيف حالك؟
اليوم سترى نفسك وعزلتك في عيونك عندما تقرأ، ستقرأك الناس، سيعلمون كم أنت وحيد عاش في منفى العقل.
سأتحداك للخروج من شرنقة الوهم، سأنظر في عيناك القوية، الصامدة؛ من الهموم والضغوطات.
هل ستقف أمام عينيّ وتقول أنك لست وحيد! لستك منعزل يا صديقي، فـ لو كذلك؛ فكيف تعرفنا وصرنا أعز صديقين؟
أكتب لك رسالتي وأنت تجلس على مرأى نظري، هناك على الشط. أتتذكره؟
لك ودَّي وليس احترامي، لا تقلق فأنت في عيني مازلت كبيرًا برغم أننا ذات عام الولادة ولكن الأشهر تختلف وأنت تكبرنيّ ببضع شهور. وكأن الكبير كبير أعوام!
سأبدأ رحلتنا التي خضناها سويًا. أراك الأن تنظر خلفك، هدير الشاطئ يصدر موجات تتجه نحو قدميك النحيفتين.
تبعدها سريعًا فهي العادة لديك؛ تخشى لمس الماء لكنك تعشق الجلوس أمامه.
اليوم الأول لنا على الشاطئ مع باقية الجماعة، أتتذكر أصدقائنا الذين يحبوك وليس كما تظن أنهم يكيدون لك المكائد.
بهذا اليوم جَمَعَتنا حولك، حشدتنا كما تحشد ملكات النمل أولادها.
أعشق النظر له، يملك البحر بفسحته أسرار البشر أجمعين، يأخذ ولا يعطي، لا يكل من الحمل، لا يشكو، لقد تعود على ذلك.
حينئذ فكرت في حديثك الذي انبهرت به؛ كنت أنت الصديق الوحيد ليّ والأن صرتَ أنت الوحيد! حديثك الذي تفوهت به ما هو إلا أحاسيس مغمورة داخل قلبك الطيب.
شروق اليوم الثاني صحيتُ وجدتك بالشرفة، البحر على يسارنا، نراه من بعيد ولكن أصوات الأمواج تتلاطم وتصل لنا ببهائها الزهي، رائحة اليود تهدئ الروع وتصفي الروح من العبأ. لذلك أنت هناك اليوم لترمي بنهر ضعفك المهين لك.
أخبرتك ظُهر نفس اليوم أن نتمشى وكأننا احباء، وافقتني برغم سخرية أصدقائنا الأخرين.
البحر يا صديقي هو المنقذ الوحيد لهموم الأخرين هو الكيس الفارغ دائما، لأنه ببساطة مقطوع من الأسفل يحمل ويخبئ في أعماقه المظلمة ولكن أتعلم؟ العتمة المتواجده بأعماقه ملئية بأبهى أنواع الأسماك والأصداف وكل ما تتخيل عن الجمال.
قلت لك يومها أن حديثك يجعلك تكبر في نظري أكثر ولكنك لم تكترث إلا بالابتسامة التي تظهر صف أسنانك الصفراء، أخبرتك أن كلامك نابع من داخلك وليس فقط تعبير عن البحر ومشاعره، بل هي مشاعرك أنت تجاهه.
صحينا في اليوم الأخير لم نجدك في الشقة، بحثنا عنك طويلًا. كنت مختفيًا. علمتُ أين أنت، قلت لهم أنني سأبحث عنك ولن أعُد إلا بك.
ذهبت ولم أكُن أتوقع المفاجأة، تعلم أنني وجدتك تسبح وأنت منتشيا، الحقيقة نظرت لك وفرحت أنك كسرت هذا الحاجز العاجز بيك وبين الأمواج.
خرجت وأنت محرج من الموقف، ستظن أنني اعتبرك كاذب لمعرفتي أنك تخشى لمس الماء.
الفرحة من كسر العقدة ارغمتني على حضنك، شعور مختلط من الفرح ممتزج بدهشتك ولكني لم آبه.
عدنا، ولم أسمع عنك شيء، اختفيت يا صديقي كأنك كنت سكر وذاب في الماء وتبقى الفائض وهو ذكراك.
فجأة وجدتك تراسلنا جميعًا كأنك تركتنا بالأمس، لم تجاوب أيًا من الأصدقاء عن أسباب الغياب الذي تعدى الشهور، وحدي لم ولن اسألك هذه حياتك وأنت حر لك ماشئت ولكن لك ما لا تعرفه ” الصداقة لها حقوق ” ومن حقي عليك أن تبرر غيابك.
وجدتك وحدك ترسل ليّ رسالة على الخاص…
أعلم أن من حقك عليا ان أخبرك أين كنت ولماذا اختفيت بدون سابق انذار، كنت أكسر الخوف، رميتُ الحمل ولكن البحر هذه المرة لم يحتمل فأعادة ليّ وثقل من كاهلي، لذا عدتُ لأنه لا يوجد تغير طرأ.
دمعتُ عليك، ما بك؟
قمنا بعمل الشركة الخاصة لأول خطوات حُلمنا الذي حلمناه سويا عند بداية صداقتنا، كنا جميعًا – ستة أو سبعة – وصفصفت علينا، تعثرنا كثيرولم نكترث لهذا بل شجعنا بعضنا البعض.
الغريب يا صديقي أنك صرت تنعزل، يحلو لك البُعد، الحمل زاد، الهموم كثرت، المسئولية صارت كالسفن تتراكم فوق كاهلك.
أعلم أنك كما أنت لم ولن تتحدث عن ما يثقلك. كفى!
لقد جئت اليوم لتجلس أمامه وتبكي! رأيتك من بعيد.
تركتك وحدك كما أخبرتني، أليست علاقتنا جزء منها حمل الهموم عنا ام ماذا؟ لماذا لم تشاركني كما الماضي حتى لو فتُات لأطمئن عليك. أراك تتدهور وأنت تعاند، تتناسى المشاكل، كأنك آله لا تشعر، الأحساس مات عندك.
كيف مات وأنت تبكي الآن أمامي! عندما تصل لك هذه الرسالة سأكُن بانتظارك بالخلف، لا تزل دموعك، تعال بها لأنك تشعر أنك ضعيف بها أمامي، الدموع تعطي قوة انت لا تشعر بها، تعال لأمسحها عنك يا صديقي كما كنت تمسح دموعي في الماضي وصرت تتركها على خدي لتمسحها يديّ وحديّ.
الوحدة.
أحببتها أليس كذلك؟
جاوبني عندما تنادي عليّ.
طالت الفترة وأنا أنتظرك يا صديقي بعدما أرسلت لك الجواب مع كلبك المفضل المدرب من قبلك، تحبه ولم تتهاون في تعليمه، تظل ساعات وساعات في تدريبه على الاتيان بالماء أو المياه الغازية أو فتح الباب للطارق، علمته بالانجليزية، أعطيته الورقة وهو ممسكها بفمه.
أخذتها يا صديقي، رأيتك تقرأها، قربت رويدا منك، نظرت لك وأنا ابكي على حالك، حاولتَ النطق ولكنك منذ العام الماضي وأنت لا تتحدث وكما أخبرنا الطبيب أن الضغوط انهكتك وضعفت عزيمتك، من يومها إلى يومنا هذا وأنت كل أسبوع تأتي هنا وتجلس بالساعات، تبكي. حتى الشتاء لم توقفك عن المجيء. أردتني بجوارك.. الشركة كبرت وصار لها العديد من العاملين والمهندسين بها. لذا تركناها وأتابعها لحظة بلحظة عندما نكن هنا..
تجلس في البيت لا تفعل شيء إلا مشاهدة صورنا الماضية؛ تبتسم. أراك من خلف الباب… كنا نجلس سويا إلى أن جاءت أختك مِن هجرتها وجلستْ معك لتعتني بك.
جميعنا نحبك ونريدك أن تعُد لنا.. طريقة التواصل بيني وبينك هي الجوابات كما العادة منذ العام الأغبر؛ به السواد وما نَهَى عليك تمامًا.. عندما ماتت والدتك، أعلمُ أن ظهرك انكسر، انحنى من الهم الذي عليك.
وحدتك زادت.. الصدمة من موتها كانت أكبر من استعابك.
ماتت وحيدة.. انعزالك عنها جعلها تشعر إنها بلا قيمة في عيونك وحياتك. حاولتُ كثيرًا أن اخبرها أنك منهك في العمل ولكنها كانت تعلم أن بك شيء أكبر من الشغل. شيء لا تريد مشاركتنا به.
حتى والدك عاد من غربته المقيتة ليساعدك على الخروج ولكنك آبيت وعاد خائب الظن بك.
جلستُ جوارك وأنا أضع يديّ على كتفك كالعادة، نظرت ليّ والدموع تغرق عينيك، ابتسمتُ لك.
أعلمُ أن اللهيب داخلك ولا بحور الكون قادرةعلى اخماده.
هيا لنسبح، لقد استوحشني لمس المياه والغوص بها وأنت تمسكني لأجل خوفي.
نطقت وقتها يا صديقي لم تعلم مدى سعادتي وعدم استوعابي لذلك.. أومأت برأسي وقمت خلعت ملابسي.
هيا.
نسيتُ حينها كل التعب الذي عشناه والذي عشته. لا أريد أن افتح معك أي مواضيع تخص الماضي السحيق. المهم أنك تنطق الآن.
أمسكتك من يديك كالطفل الصغير.. الجميع ينظر لنا. حتى كلبك نظر لتعابير وجهك وأنت تتحدث أحسسته يضحك لأنك تتحدث.. بعدما غصنا بالماء وجدته يسبح نحونا كأنه يشاركنا هذه الفرحة..
لم تكتمل اللحظة وأخذتنا للداخل العميق!
سحبني التيار للداخل حاولت السباحة عكسه، لكنني انجرفتُ، سحقني البحر عشيقك. هل مازلت تحبه بعدما أخذني؟
عوى الكلب كثيرًا، حاولتُ النجاة..
لكن لا فائدة، النهار يُظلم في عينيّ. الماء يغطي وجهي. أخر ما رأيته نظرات الهلع في عينك.
فتحتُ عيني والجميع متجمهر حوليّ.. فُقتُ، رأيت الكلب لكني لم أجدك.
حمد لله على سلامتك انقذناك على أخر لحظة.
أين أنت يا صديقي؟
أين هو؟
كان هنا.
بحثنا عنك لم نجدك على الشاطئ لكن الماء كان يحملك على ظهره، صرخت بأعلى صوت عندي، غصت ونسيت أنني كنت على وشك الغرق منذ دقائق.
اخرجتك يا صديقي، لكن هذه المرة لم أقم بمساعدتك. رحت مني للأبد. ضعت ولا أعلم إذا رميتُ بنفسك للتهلكة أم أنها من نادت عليك؟
أنقذك كلبك.. نعم هو من أنقدك عندما بكى على جسدك المسجي على الرمل.. قام المنقذ بعمل اسعافات اولية لك ولم يولِ الكلب عنك تركه لأنه شعر بحزنه عليك.
سمعت صوت سُعالك. لم أصدق نفسي. عُدت ليّ وللحياة يا صديقي. فرحتُ كما لم أفعل يوما.
لا تخاف فلن أترك هذه الحياة، سأتشبث بكل لحظة بها، كفى ما مضى من عذاب.
هذا هو صديقي الذي أعرفه، هل سنفتح الفرع الثاني للشركة؟
نعم حان المعياد.
نعم يا صديقي حان وحانت أيامنا الحُلوى للعودة.
لم ولن أتركك للوحدة من جديد، اليوم أنا متربص لك الطريق، متريث للأيام لتبدلك.
سنتزوج في نفس اليوم ومع بعض ليكن كل شيء في حياتنا كما نحلو.. سيصبحوا أولادنا أعز أصدقاء كما نحن. زوجاتنا سنتعرف عليهما سويًا.
أهلا بك في الحياة من جديد يا صديقي.
وهنيئا للحياة بيّ لأنها أعطتني فرصة نجاة أخرى واعطتك مثلها. سنعيش ونغوص فـ هيا بنا.
أنتهت.

Share on Facebook
Facebook
0Pin on Pinterest
Pinterest
0Share on Google+
Google+
0Tweet about this on Twitter
Twitter
Share on LinkedIn
Linkedin

يُسعدنا أن تشارك الموضوع مع أصدقائك !

عن محمد متولي

طالب بكلية الهندسة جامعة القاهرة، 22 عام، كاتب بموقع المبدأ ومن أحد شركاءه ومؤسسيه. [email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.