الرئيسية / كتاب المبدأ / محمد عمارة يكتب: أيام الندى و الدم

محمد عمارة يكتب: أيام الندى و الدم

فى خضم جحيم الحرب الهائل و النيران المستعره جوا و بحرا و برا فى صحارى ثلجية ذات صقيع بالغ على ضفاف نهر الفولجا بين الألمان و السوفييت فى مدينة استالينجراد بين عامى ١٩٤١ و ١٩٤٢ كانت فى تلك البقعة قبل ذلك بأشهر معدودة تتساقط الثلوج ليلا و قطرات الندى صباحا على تلك المدينة الآمنه بسكانها المدنيين المسالمين المزارعين و العمال الفقراء نساءً و أطفال و عجائز و بينهم شاب و فتاه فى عمر الزهور جمعت بينهما عاطفة الحب الجارفة.

وارتفع بهما سقف الأماني إلى أبعد من النجوم و سرحا بعقليهما و سبحا بقلبيهما فى مستقبل وردى لا يعكر صفوه شئ ، و مع دوى او طلقة مدفع تلاشى الندى و هطل المطر و خفتت نسائم الهواء و هبت العاصفة تلو الأخرى تسوق أنهار الدم تروى الحقول و بدلا من الماء فتفرق الحبيبان بين مقاتل و عاملة فى المصانع الحربية تصنع السلاح ليقاتل هو به ودارت عجلة الانتاج و معها دارت المعارك تلو المعارك و غرقت المدينة الآمنة في نهر الدم و مرت الايام و الشهور ثقيلة بطيئة كئيبة حمراء بلون الدماء لا يسمع فيها سوى صوت المدافع و القاذفات و لا يشم الناس فيها الا رائحة الموت و الدماء، و بقيت هى على عهدها تبكي و تذرف عيناها الدمع كل ليلة خشية ان تفقده إلا أن شعورا فى اعماق قلبها يجعلها على يقين و فى حالة ايمان تام باللقاء انها ترى نفسها معه ممسكا بيدها معانقا مربتا على كتفها و هم يسيرون تحت قطرات الندى كما كانوا ، و هو فى خندقه لا يخشى سوى عليها و يتمنى لو عاد اليها حاملا مشعل النصر ، و بعد ثلاث سنوات لم يرى فيهن الحبيبان بعضهما صمتت المدافع و خمدت العواصف و توقف هطول المطر و ارتفعت رايات النصر على أطلال المدينة المحطمه ، و ارتفع الصراخ و الصياح ممتزجا بالدموع فرحا بالنصر و حزنا على الرفاق ، و خرجت هى من بين الجموع الغفيره زائغة العينين تبحث فى الارجاء عنه ترى وجهه فى كل الوجوه تشعر به تسمع صوته تعلم انه آتٍ لا محاله لا تصدق انه قد يخون عهدهما ، ظلت بانتظاره فى العراء الليلة تلو الأخرى لم تبرح مكانها غير عابئة بالمشككين فى سلامة قواها العقلية (كيف له ان ينجو من هذا الجحيم انه كحبة رمل فى بحر الرمال) و كانت تقول فى يقين يبعث على الدهشة و الذهول إنه آت لا يمكنه التخلف عن وعده إنه يحمل فى قلبة ما يجعله لا يموت إنه يحمل فى قلبه حبنا.

ومرت الشهور لم تتساقط فيها الثلوج و لا قطرات الندى لكنه الصقيع فقط و البرد القارص ، و ذات ليلة كانت غير الليالى التى سبقتها شعرت هى بشعور غريب شعور اغمرها بسعادة مبهمه و غامضة فإذا بها تسمع نقرا على الزجاج ، فخرجت من كوخها لترى الثلوج و قد بدأت تتساقط فى الارجاء حينها فقط علمت أن موعد اللقاء قد اقترب و أنها كانت محقه.

فباتت ليلتها لم يغمض لها جِفن ، و مع أول بزوغ للشمس ، خرجت من كوخها قاصدة ذات المكان الذى شهد قبل أربع سنوات اللقاء الأخير لهما ؛ و بعد انتظار غير طويل ظهر فى الأفق بضع شاحنات ضخمه آتيه من برلين تحمل عددا من الجرحى و الجثث لدفنها فى الوطن و حالما عبرت الشاحنات من أمامها انخلع قلبها من مكانه حيال احدى تلك الشاحنات التى توقفت بالفعل و نزل منها شاب تم تكليفه ضمن فريق لتطبيب الجرحى و جمع الجثث المتناثره فى برلين و على الحدود السوفيتية إنه هو .. إنه هو حقاً حينها تسمرت قدماها و انهمرت الدموع من مقلتيها و لم تستطع النطق بكلمه و حالما وقف امامها اخذت تلكمه و تضربه بكلتا يديها الصغيرتين الرقيقتين المتجمدتين من البرد فضمها الى صدره بكلتا ذراعيه ضمة اطفأت ناراً ظلت مستعرة طيلة أربع سنوات .. و حينها تساقطت قطرات الندى ..

Share on Facebook
Facebook
0Pin on Pinterest
Pinterest
0Share on Google+
Google+
0Tweet about this on Twitter
Twitter
Share on LinkedIn
Linkedin

يُسعدنا أن تشارك الموضوع مع أصدقائك !

عن عبد الله شنب

عبدالله عثمان شنب، طالب في كلية الإعلام جامعة الأزهر، قسم الصحافة والنشر، صحفي في موقع المبدأ الإخباري. أهتم بأخبار مصر وأخبار العالم العربي والدولي، وعملت كمصور تلفزيوني في قناة الحدث اليوم، وتدربت في قناة extra news كمحرر للأخبار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.